الشيخ محمد رشيد رضا
614
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هي فوق قوته ، وقوى جميع عالم الشهادة الذي يعيش فيه ، والخضوع لكل ما يأتيه من جانب ذلك السلطان الاعلي ، فأرسل اللّه الرسل بالآيات الدالة على تأييدهم من قبل تلك القوة العالية ، والسلطة الغالبة ، وكونهم يتكلمون عن قيوم السماوات والأرض ، بما جاءوا به من الكتاب ليحكم بين الناس بالقسط . فزال من بين المؤمنين لهم كل خلاف ، وتمهد لهم طريق السير إلى الكمال ، فكان العاملون بالكتاب من كل أمة خيارها وعدولها . ولولا البغي الذي حمل آخرين على الخلاف في الكتاب المزيل لا خلاف ، لبلغت به منتهى ما هي مستعدة له من السعادة والكمال من غص داوى بشرب اناء غصته * فكيف يفعل من قد غص بالماء ومن شاء ان يقف على هذا البحث بالتفصيل ، ورد ما يرد من الاعتراض عليه بالدليل ، فليقرأه بالامعان والتدبر في رسالة التوحيد ، وليراجع في الجزء الثاني من هذا التفسير ، ما قلناه عن الأستاذ الامام في تفسير قوله ( 2 : 212 كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) وقد بذ الأستاذ أثابه اللّه تعالى في هذه المسألة جميع العلماء والحكماء ، الذين كتبوا في بيان حكمة بعثة الأنبياء ، ولولا أن طال هذا الجزء وتجاوز كل تقدير لنقلنا عبارة رسالة التوحيد برمتها هنا ، ولعلنا نجد لها مناسبة في جزء آخر وان كانت أضعف من مناسبة هذه الآية التي يصح ان يكون ذلك البحث تفسيرا لها قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً هذا رد على منكري الوحي والرسالة لقنه اللّه تعالى رسوله ( ص ) في إثر بيان كون ذلك من شؤونه تعالى ومقتضى صفاته في تدبير أمر البشر كما تقدم آنفا . قرأ ابن كثير وأبو عمرو « يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون » بالمثناة التحتية على أنها أخبار عن الذين أنكروا الوحي وهم مشركو العرب ومن على شاكلتهم . وقرأها الآخرون « تَجْعَلُونَهُ » الخ بالمثناة الفوقية على الخطاب . وبذلك اختلف المفسرون في الآية وعدها بعضهم من مشكلات القرآن ، وقد تقدم في الكلام على نزول السورة في أول تفسيرها أن بعضهم عد هذه الآية مما استثنى من نزول هذه السورة كلها